الشيخ محمد الصادقي
56
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
46 - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ آية لبراءته وبراءة أمه ويراعتهما ، وبشارة لنبوته وَكَهْلًا تكليما رسوليا دونما بينهما إذ لم يكن فيه رسولا بالفعل وإلا فلما ذا فقط " فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا " ؟ وَ هو مِنَ الصَّالِحِينَ لذلك التكليم الخارق العادة طفوليا ورسوليا ، والصالحين القمة وهم أولوا العزم من الرسل . 47 - قالَتْ متحيرة رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ مما يدل على أن الولد ليس إلا من مس بشر أنثى جنسيا دون سواه ، مهما كان من جذب منيه ، ولم يكن لها قالَ كَذلِكِ اللَّهُ دون سواه يَخْلُقُ ما يَشاءُ ف إِذا قَضى أَمْراً ليكون فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ وقوله فعله إرادة لكونه كُنْ فَيَكُونُ كما قضى ، وهو هنا تكوينيا في المادة الأولى إيجاد لما لم يكن ، وفي فروعها تحوير لها إلى ما يريد اللّه من أشكال . 48 - وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ كهلا ، وكما يؤكده مستقبل " وَيُعَلِّمُهُ " فلا يعني " آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا " ( 19 : 30 ) في مهده ، أنه تعالى آتاه إياهما فيه ، " وَيُعَلِّمُهُ " ككل ما يحتاجه رسول وَ كخاصة التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وحيا ، حين يكلم الناس كهلا رسولا . 49 - وَ أبعثه رَسُولًا دعوة أولى إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ثم دعوة عامة قضية ولاية عزمه في رسالته أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ كما جاءتكم آيات موسوية وسواها أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ ظاهرا وباطنه من اللّه مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ دون جسم وروح ، وإنما هيئته فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ في ذلك التكون البارع ، فالخلق أولا والنفخ ثانيا ، مني بإذنه ، ثم تكونه طيرا فقط بإذن اللّه وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ المولود المطموس العين وَالْأَبْرَصَ بياضا متفرقا في الجلد وَأُحْيِ الْمَوْتى وكل ذلك بِإِذْنِ اللَّهِ وفعله دون تخويل إلا من إذنه وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ بإذن اللّه إِنَّ فِي ذلِكَ كله لَآيَةً واحدة على جمعيتها لَكُمْ لرسالتي الربانية إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالآيات الرسولية دون تخصيص ببعضها : " وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي " ( 5 : 110 ) . 50 - وَ حال كوني مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ الأصلية الموحاة إلى موسى وَ لا أبدل لكم حكما وإنما لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ امتهانا وامتحانا مؤقتا وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ رسولية كما بينت مِنْ رَبِّكُمْ الذي أرسل موسى ومن بعده بآياته مهما اختلفت صورها لوحدة سيرها فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما أرسلت به إليكم . 51 - ومن الآيات الرسولية إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ دون تخيلات وتخبلات أخرى فَاعْبُدُوهُ لا سواه هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ دون السبل الأخرى المتخلفة عن توحيده تعالى : " وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ " ( 6 : 153 ) . 52 - فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ بني إسرائيل المدعوين الْكُفْرَ بهذه الرسالة قالَ مَنْ أَنْصارِي في سبيلي الرسالي إِلَى اللَّهِ إذ هموا أن يغتالوه أو يقتلوه أو يرفضوه بخشونة قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ معك إلى اللّه ، حفاظا عليك وعلى رسالتك الربانية آمَنَّا بِاللَّهِ كما تؤمن وَاشْهَدْ عند اللّه وعند عباده بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لهذه الرسالة أمام اللّه . ف " إلى " هنا وفي " لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ " بمعناها ، دون " مع " فإلى الله هناك ثم و " إلى " كفايٍة من أموالهم كأنها من أموالكم .